ابن عربي
249
مجموعه رسائل ابن عربي
العلم في المغرب أكثر منه في المشرق ، ويقر العارف الرباني بالسبق الإلهي المحقق ، ويتقوى سلطان الاصطلاح على أهل الأحوال والكرامات ويتمكن العلم النوري في قلوب أهل المقامات ، وطلبت الأسرار عالمها ، وسلطنت عالمها ، وأحتدت شوكتهم ، وقامت مملكتهم ، واستحكم سلطان الشهوات على عالم النفوس ، وبانت حقائق الحس والمحسوس ، وظهر الضعف في العقول ، وانقطعت مواد المعقولات واستمرت مواد المنقول ، واحترقت النفوس شوقا إلى التجليات واستحكم سلطان الحب في نفوس المحبين حين ظهرت لهم إتصالات النهايات ، ورفعت لهم أعلام الغايات ، وتغمرت بحار المحسوسات بفنون الانفعالات ، ورضع أطفال المريدين ثدي الملقيات ، وتجلت العظمة المعظمة لأسرار الأولياء وتمكنت النشأة البشرية بما أعطيت من الأسماء الإلهية ، من تسخير الأرواح التي أسرارها في أقدامها ، والأرواح التي معارفها في جوانبها . وهذا بعض ما عاينت في الكون من تأثير النمط الثاني من هذا الدور ، وقطعت كل نمط من هذا الدور بإقامتي فيه خمسة عشر يوما ونصف يوم ، وست ساعات ، كل يوم منها مقدار ستة أيام ونصف من أيام الدنيا . ثم ردني إلى النمط الثالث من هذا الدور ، فجبت تسعين فلكا قد وكل اللّه مع كل فلك ملكا يرجع أمرهم إلى ثلاثة أملاك ، الملك الواحد موكل بالنفس ، والآخر موكل بالأرواح ، والثالث موكل بالنيران ، ومدة تدبيراتهم في العالم خمسة عشر ألف سنة ، يتصرف بين أيديهم سبعة أملاك كهول ، قد كملت قواهم وتحكمت عقولهم ، وحسن تدبيرهم في التقسيم على حكم الخدماء المتقدمين في الدرجات ، والتساوي . فلما أطلعت على سرهم ، وكشفت ما خفي على الناس من أمرهم ، نزلت إلى الكور « 1 » لأرى تأثيرهم المودع في ذلك الدور . وذلك أن اللّه تعالى ساوى في الدقيقة بين عالم الأنوار والأسرار « 2 » ، وسكن فلق المشتاق ، وخمدت نيران الاشتياق ، وطرأت على القلوب التغييرات ، وقلت المعارف ، وتوقفت التنزلات ، واحتجبت المقامات المتجليات « 3 » وانقطعت موارد
--> ( 1 ) في المطبوعة : « إلى الكون » . ( 2 ) في المطبوعة : « بين عالم الأسرار وبين عالم الأنوار » . ( 3 ) في المطبوعة : « المتخيلات » .